من السويد إلى بريطانيا وأمريكا.. شبكات الجريمة تتحول إلى أداة إيرانية لاستهداف المعارضين

نيويوركر: إيران تستعين بالمافيا وعصابات الجريمة وحتى مراهقين أوروبيين لاستهداف معارضيها في الخارج
كشف تقرير موسع لمجلة The New Yorker أن السلطات الإيرانية باتت تعتمد بصورة متزايدة على شبكات الجريمة المنظمة والمجرمين المحليين وعصابات الدراجات النارية، وحتى مراهقين في دول أوروبية، لتنفيذ عمليات تستهدف معارضين وصحفيين وشخصيات تعتبرها طهران تهديداً لها خارج إيران.
واستعرض التقرير ملف الهجوم على بوريا زراعتي Pouria Zeraati، مقدم البرامج في قناة إيران إنترناشيونال، باعتباره نموذجاً لطريقة عمل حملة القمع الإيرانية العابرة للحدود، وربطه بسلسلة من القضايا في بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وهولندا وإسبانيا ودول إسكندنافية.
وبحسب المجلة، تكشف هذه القضايا عن تحول في الأسلوب الإيراني: فبدلاً من الاعتماد المباشر على عناصر يمكن ربطهم بسهولة بالأجهزة الإيرانية، يجري توظيف وسطاء وشبكات إجرامية وأشخاص لا تربطهم علاقة تنظيمية ظاهرة بطهران، وأحياناً لا يعرفون حتى هوية الشخص المستهدف أو الدافع الحقيقي للمهمة التي كُلّفوا بها.
وقال ماثيو ليفيت Matthew Levitt، الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن قاعدة البيانات التي يتابعها سجلت خلال السنوات الخمس الأخيرة أكثر من 200 مؤامرة أو عملية مدعومة من إيران في الخارج، وهو رقم يقارب ضعف الحالات التي وثقها بين عامي 1979 و2021.
الهجوم على بوريا زراعتي وضع تقرير نيويوركر قضية زراعتي في قلب التحقيق.
فبعد نحو عامين من تلقيه رسائل تهديد ومراقبة منزله وأفراد أسرته، تعرض زراعتي في مارس/آذار 2024 لهجوم أثناء مغادرته منزله في منطقة ويمبلدون بلندن.
وهاجمه رجلان رومانيان، وأمسكه أحدهما بينما طعنه الآخر ثلاث مرات في ساقه، قبل أن يلوذا بالفرار بسيارة كان يقودها شخص ثالث.
وأظهرت التحقيقات لاحقاً أن المجموعة راقبت منزل زراعتي وتحركاته مراراً قبل تنفيذ الاعتداء، ثم غادر أفرادها بريطانيا بعد الهجوم.
وفي يوليو 2026، حكمت المحكمة الجنائية المركزية في لندن على جورج ستانا George Stana بالسجن 12 عاماً وعلى نانديتو باديا Nandito Badea بالسجن ثماني سنوات.
وقالت القاضية خلال النطق بالحكم إن الاعتداء كان عملاً منظماً وممولاً من العنف الخطير نُفذ مقابل المال، وإن الأدلة أقنعتها بأن العملية لم تكن جريمة تقليدية، وإنما عملاً نُفذ نيابة عن قوة أجنبية.
ونفى المتهمان معرفتهما بأن إيران تقف خلف العملية. وقال ستانا للمحكمة إن الأشخاص الذين جندوه قدموا له رواية مختلفة بشأن سبب استهداف زراعتي، وهو ما يعكس، وفق التقرير، إحدى سمات هذه العمليات: إبقاء المنفذين في أدنى مستويات الشبكة بعيدين عن معرفة الجهة التي أصدرت الأمر الحقيقي.
من مريلاند إلى نيويورك
وأكدت نيويوركر أن استخدام المجرمين بالوكالة لا يقتصر على بريطانيا.
ففي الولايات المتحدة، اتُهم ناجي شريفي زندشتي Naji Sharifi Zindashti، وهو مجرم إيراني معروف يقيم في إيران، بتنسيق مخطط لقتل زوجين إيرانيين في ولاية مريلاند.
وفي عام 2021، استخدمت مجموعة من المسلحين، كان من بينهم عضو في عصابة الدراجات النارية Hells Angels، خدمة مراسلة مشفرة للتخطيط لقتل الزوجين، لكن السلطات تمكنت من كشف المخطط وإحباطه قبل تنفيذه.
كما برز النمط نفسه في قضية محاولة قتل الصحفية والناشطة الإيرانية المعارضة مسيح علي نجاد Masih Alinejad.
ففي عام 2022 وصل رجل أذربيجاني مسلح ببندقية كلاشنيكوف إلى منزل علي نجاد في بروكلين لتنفيذ عملية اغتيال، إلا أن الشرطة ألقت القبض عليه.
وقادت التحقيقات لاحقاً إلى عضوين في شبكة مافيا روسية قالت السلطات إنهما شاركا في تجنيد المنفذ نيابة عن إيران.
عمليات في ألمانيا وبريطانيا وهولندا
وسجلت أوروبا حالات أخرى مشابهة. ففي ألمانيا، أدانت محكمة رجلاً حاول إحراق كنيس يهودي في مدينة بوخوم Bochum عام 2022، وتبين أن من أرسله لتنفيذ المهمة عضو سابق في Hells Angels كان يعيش في إيران.
وفي عام 2023، سافر رجل مولود في الشيشان إلى بريطانيا وصوّر مقر تحرير إيران إنترناشيونال في لندن، وأدين لاحقاً بالتجسس في قضية مرتبطة بمخطط إرهابي ضد الشبكة.
أما في هولندا، فاستهدف مخطط آخر المعارض الإيراني سيامك تديّن طهماسبی Siamak Tadayon Tahmasbi.
وكان طهماسبی قد لاحظ أشخاصاً يراقبون منزله في هارلم، فأبلغ الشرطة الهولندية التي زودته بجهاز إنذار شخصي.
وفي يونيو 2024، اقتحم رجلان فناء منزله وهما يحملان أسلحة نارية ومطرقة كبيرة. وتمكن طهماسبی من الضغط على زر الإنذار، لتصل الشرطة خلال دقائق وتلقي القبض عليهما.
وقال جهاز الاستخبارات الهولندي لاحقاً إن الرجلين على الأرجح جرى استئجارهما من قبل السلطات الإيرانية لقتله.
وكان أحد المشتبه بهم مطلوباً أيضاً على خلفية محاولة اغتيال في إسبانيا، حيث تتهمه الشرطة بإطلاق النار في مدريد على سياسي سابق معروف بانتقاداته الحادة لطهران.
لماذا تستخدم طهران المجرمين المحليين؟
بحسب نيويوركر، فإن استخدام شبكات الجريمة يمنح الأجهزة الإيرانية طبقات إضافية تفصل صانع القرار عن المنفذ.
ويستطيع أفراد العصابات والمجرمون الحصول على وثائق مزورة، وعبور الحدود، واستئجار مساكن آمنة وسيارات، وتحويل الأموال، ثم الاختفاء سريعاً بعد انتهاء المهمة.
كما يجعل هذا الأسلوب إثبات الصلة المباشرة بين المنفذين والأجهزة الحكومية الإيرانية أكثر تعقيداً، ويوفر لطهران مساحة أكبر لإنكار المسؤولية.
وتقول حكومات غربية إن عدداً من هذه العمليات يُنسق بواسطة عناصر مرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات.
وفرضت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي عقوبات على عناصر مرتبطة بـالوحدة 840 في الحرس الثوري، التي تتهمها الحكومات الغربية بالضلوع في عمليات سرية خارج إيران.
من ميكونوس إلى نموذج «الوكيل الإجرامي»
وأشار تقرير نيويوركر إلى أن استهداف المعارضين في الخارج ليس ظاهرة جديدة.
ففي عام 1992، قُتل عدد من قادة المعارضة الكردية الإيرانية داخل مطعم ميكونوس Mykonos في برلين.
وخلص الادعاء الألماني آنذاك إلى أن العملية جاءت بتوجيه من مستويات عليا في النظام الإيراني، وأصدر لاحقاً مذكرة توقيف دولية بحق وزير الاستخبارات الإيراني آنذاك علي فلاحيان.
وأدى التحقيق والمحاكمة الألمانيان إلى فترة من التراجع النسبي في العمليات الإيرانية الخارجية.
لكن نيويوركر قالت إن وتيرة المؤامرات عادت للارتفاع بعد احتجاجات عام 2009.
وأشار التقرير إلى أن الضربات التي تلقتها إيران داخلياً وإقليمياً جعلت العمليات الخارجية منخفضة التكلفة أكثر جاذبية بالنسبة إلى طهران.
السويد.. «وسيط لوكيل»
ويبرز في التقرير تطور جديد يتعلق باستخدام شبكات إجرامية إسكندنافية لتجنيد مراهقين محليين.
وقالت نيويوركر إن أجهزة استخبارات غربية بدأت خلال عام 2024 بجمع أدلة على أن عصابات في الدول الإسكندنافية تستعين بمراهقين لتنفيذ أوامر مرتبطة بإيران.
وفي السويد، ألقي القبض على فتى يبلغ 14 عاماً على خلفية إطلاق نار قرب السفارة الإسرائيلية في ستوكهولم.
وبعد أشهر، توجه مراهقان سويديان إلى الدنمارك وألقيا قنابل يدوية قرب السفارة الإسرائيلية في كوبنهاغن، وحُكم عليهما لاحقاً بالسجن لأكثر من عشر سنوات بتهم مرتبطة بالإرهاب ومحاولة القتل.
وربطت الاستخبارات السويدية بعض هذه العمليات بشبكة Foxtrot الإجرامية التي يقودها روا مجيد Rawa Majid المعروف باسم «الثعلب الكردي»، والذي يُعتقد أنه موجود في إيران.
وكان جهاز الأمن السويدي Säpo قد أعلن رسمياً في مايو/أيار 2024 أن السلطات الإيرانية تستخدم شبكات إجرامية داخل السويد لتنفيذ أعمال عنف تستهدف دولاً أو جماعات أو أفراداً تعتبرهم طهران تهديداً.
وقال جهاز الأمن إن عدداً من مخططات الهجمات المرتبطة بأجهزة الأمن الإيرانية أُحبط داخل السويد، وإن شبكات إجرامية استُخدمت في بعضها كوكلاء.
ووصف مسؤول استخباراتي سويدي تحدث إلى نيويوركر استخدام المراهقين بأنه «وسيط لوكيل»، أي وجود أكثر من طبقة تفصل الأجهزة الإيرانية عن منفذ الهجوم.
ووفق التقرير، يتم تجنيد كثير من هؤلاء المراهقين عبر تطبيقات مثل Telegram وSnapchat مقابل المال، ومن دون معرفتهم الكاملة بهوية الهدف أو الدافع الحقيقي للعملية.
وقال الباحث ماغنوس رانستورب Magnus Ranstorp من جامعة الدفاع السويدية إن الحملة السرية الإيرانية جعلت السويد «ساحة للتهديدات الهجينة»، مشيراً إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن أشخاص مستعدين لتنفيذ المهام مقابل المال.
المراهق قد لا يعرف ما الذي يحمله
ويشرح التقرير كيف يستطيع المشغلون إخفاء حقيقة العملية عن المنفذ الصغير في السن.
فقد يُعرض على المراهق مبلغ مالي بسيط لوضع حقيبة أو طرد في مكان محدد، مع إعطائه قصة مختلقة بشأن محتوياتها.
وأشار التقرير إلى قضية في فرنسا ألقت فيها الشرطة القبض على ثلاثة مراهقين للاشتباه في محاولتهم تفجير مكتب تابع لـBank of America في باريس.
وبحسب التحقيقات الفرنسية التي أوردتها نيويوركر، جرى تجنيد فتى في السادسة عشرة عبر Snapchat مقابل مئات اليوروهات لوضع طرد أمام البنك، بعدما قيل له إن الطرد يحتوي على «ألعاب نارية» الهدف منها إخافة فتاة، بينما قالت الشرطة إنه كان يحتوي على قنبلة محلية الصنع.
العمليات مصممة لتبقى دون عتبة الرد الكبير
ووفق خبراء تحدثوا إلى نيويوركر، فإن الكثير من هذه العمليات يجري تصميمه بصورة لا تجعله دموياً أو ضخماً إلى درجة تجبر الحكومات الغربية على رد سياسي أو أمني واسع.
لكن حتى العمليات الفاشلة تستنزف أجهزة الأمن والشرطة والاستخبارات.
وقد تستغرق التحقيقات والمحاكمات في كل قضية أشهراً أو سنوات، بينما تكون الشبكات التي تقف خلفها قد غيرت أسلوب عملها وانتقلت إلى وسائل جديدة.
وقال كولين كلارك Colin Clarke، المدير التنفيذي لمركز صوفان، إن الهدف من الإرهاب ليس دائماً عدد الضحايا؛ ففي بعض الأحيان يكمن التأثير الحقيقي في الأشخاص الذين يشاهدون ما جرى ويخشون أن يكونوا الهدف التالي.
أكثر من 20 مخططاً إيرانياً في بريطانيا
ومنذ عام 2022، أعلنت أجهزة مكافحة التجسس البريطانية عن رصد أكثر من 20 مخططاً مرتبطاً بإيران شكلت تهديداً محتملاً لحياة مواطنين ومقيمين في بريطانيا، بمن فيهم صحفيون يعملون في وسائل إعلام ناطقة بالفارسية.
وقال المدير العام لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني MI5 إن الجهات الإيرانية تستخدم المجرمين بصورة واسعة كوكلاء، بدءاً من مهربي المخدرات الدوليين ووصولاً إلى مجرمين من المستوى المنخفض.
حياة الصحفيين تحت الحراسة
وتناول تقرير نيويوركر بالتفصيل تأثير هذه التهديدات على العاملين في إيران إنترناشيونال.
وبحسب الفريق القانوني للقناة، شهد العام الماضي ارتفاعاً وصفه بأنه مقلق وغير مسبوق في التهديدات التي طالت مئات من أقارب العاملين في إيران داخل البلاد.
وذكر التقرير أن بعض أفراد الأسر تعرضوا لتهديدات بالسجن أو القتل إذا لم يتوقف أقاربهم عن العمل مع الشبكة.
كما غيّرت القناة إجراءاتها الأمنية بصورة جذرية.
فمواعيد تسجيل البرامج تتغير بانتظام، ويجري تقليل تجمعات العاملين خارج ساعات العمل، ونُقل بعض الصحفيين إلى مساكن آمنة أو إلى مدن ودول أخرى.
وقالت إحدى المذيعات لنيويوركر إن مخاطر مقابلة أشخاص جدد أصبحت كبيرة إلى درجة أنها قبلت بأن العلاقات العاطفية «ليست لهذه الحياة».
كما يخضع الموظفون لتدريب على مواجهة محاولات الاختراق الإلكتروني والهجمات السيبرانية، بعد تزايد عمليات انتحال الهوية والحسابات المزيفة.
وقال علي أصغر رمضانپور Aliasghar Ramezanpour، المدير التنفيذي للتحرير في إيران إنترناشيونال بلندن، إن التهديد مستمر، مضيفاً أن النظام الإيراني لن يتوقف عن المحاولة «ما دامت أضواء» القناة مضاءة.
جدل تمويل إيران إنترناشيونال
وتطرقت نيويوركر أيضاً إلى الجدل المتعلق بتمويل إيران إنترناشيونال وصلاتها المحتملة بجهات سعودية.
وأشارت المجلة إلى تقارير سابقة بشأن هيكل ملكية الشركة الأم Volant Media ومزاعم بوجود روابط بين مالكيها ومصالح سعودية، وهو ما أدى إلى نقاشات وانتقادات بشأن استقلالية القناة وخطها السياسي.
وقالت إيران إنترناشيونال في رد مكتوب إن الادعاءات بشأن تمويلها أو توجيهها من قبل حكومات غير صحيحة، ووصفت هذه الاتهامات بأنها جزء من حملة تضليل طويلة تهدف إلى تشويه سمعتها وزيادة المخاطر الأمنية التي يتعرض لها صحفيوها وموظفوها.
ويخلص تقرير نيويوركر إلى أن الاعتماد المتزايد على المجرمين وعصابات الجريمة والمراهقين يمنح إيران قدرة على تنفيذ عمليات بتكلفة منخفضة وبمسافة تنظيمية كبيرة بين الجهة التي تصدر الأمر والشخص الذي ينفذه، في وقت تواجه فيه أجهزة الأمن الغربية تحدياً متزايداً في كشف هذه الشبكات وإثبات مسارات الأوامر والتمويل فيها.