آراء

لماذا تُصر إيران على التصعيد ضد الإمارات؟

كتب / المحرر السياسي

تتناقل منابر إعلامية عديدة أن  “دولة الإمارات العربية المتحدة تعرضت حتى الآن إلى اكثر من  700 هجوم منذ بدء الاعتداءات تضمن 165 صاروخاً باليستياً، وصاروخين جوَّالين، و541 طائرة مسيَّرة إيرانية أُطلقت باتجاه أراضي الامارات.. بتكلفة بشرية بلغت ثلاث قتلى و58 جريحا”. هذه الأرقام تروج لها إيران نفسها، بينما تضع مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني الهجمات الغاشمة على الإمارات على صفحاتها الأولى، في محاولة لدعم حرب دعائية تتوازى مع حرب “همجية” غير مبررة، لا تراعي حسن الجوار، وتعيدنا إلى المربع الأول، وتذكرنا بأن الخطاب الإيراني الذي روج “للتغيير وانتهاج إيران لغة الحوار وحسن الجوار” خلال السنوات الأخيرة لم يكن إلا غطاءًا  لنوايا لم تتغير في أي لحظة، وكانت تبيت كل هذا “الحقد” طيلة الوقت الماضي

إن ما يحدث اليوم من عدوان غير مبرر على الإمارات وعلى دول الخليج التي كانت المحرك الأول لإنهاء الحرب السابقة بين إسرائيل وإيران، بل ودعمت الإيرانيين دبلوماسيا وبكل ما تقتضيه متطلبات حسن الجوار، وقامت بجهود مكوكية للحفاظ على أمن واستقرار المنطقة وتغليب لغة الحوار على لغة الدمار.. إن هذا العدوان لم يبدأ مع هذه الحرب، فكلنا نتذكر تصريحات وتهديدات إيران الرنانة التي قالوا فيها “إذا لم نستطع تصدير نفطنا فلا دولة ستستطيع تصدير نفطها في المنطقة”. أو التصريحات التي ألمح فيها الإيرانيون إلى أن “القوة الاقتصادية لجيرانهم تعتبر نقاط ضعفهم”.

لذا فالمشهد الذي تعكسه إيران حاليا هو “الوجه الحقيقي” للنظام الإيراني، الذي لطالما رأى في نموذج الإمارات الفريد من نوعه وتقدمها الاقتصادي ورخائها وازدهارها تذكيرا “مريرا” لهذا النظام بعجزه عن تلبية أبسط متطلبات شعبه، بل واجه الجائعون من هذا الشعب المرهق بالرصاص الحي ومجازر أذهلت العالم من قسوتها. هذا الشعب الذي طالما نظر إلى الإمارات كجنة قريبة تحمل الأمل بغد أفضل، وبأن القيادة الرشيدة قادرة على خلق الفارق وعلى القيام بدولة قوية راسخة. باختصار، لم يستطع النظام الإيراني يوما التعايش مع النجاح الإماراتي.

بالعودة إلى الوضع الراهن، ومن منطلق قراءات عسكرية، فإن ما يفعله النظام الإيراني بعدوانه الغاشم هو ما يدعى بـ “الردع غير المتماثل”، والذي يعتبر استراتيجية يلجأ فيها الطرف الأضعف إلى استخدام تكتيكات وتقنيات غير تقليدية لرفع تكلفة العدوان على الطرف الأقوى إلى مستوى يجعل حسابات الربح والخسارة لديه مضطربة، مما يدفعه للتراجع عن الخيار العسكري. 

هذا التوجه كان قد ورد حرفيا في موقع “ديبلوماسي إيراني” أواخر فبراير الماضي، وعززته تصريحات رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة السابق، اللواء عبد الرحيم موسوي، الذي قال خلال مناورات مضيق هرمز الأخيرة، “أعداء الجمهورية الإسلامية الإيرانية يدركون جيداً بأنّ أيّ مغامرة أو محاولة لفرض حرب على إيران، لن تنتهي بهزيمة حتمية واستراتيجية لهم فحسب، بل ستؤدّي أيضاً إلى توسيع نطاق الحرب والأزمة لتشمل كامل المنطقة، وفرض كُلف باهظة وغير قابلة للتعويض.”

لقد كرر الإيرانيون بأن “هجماتهم تستهدف القواعد الأميركية” في المنطقة، وهي سردية تحاول إيران تصديرها إلى المجتمع الدولي، وقد كررها الرجل الأول في إيران حاليا (علي لاريجاني) مجددا مساء الاحد الاول من مارس ، عندما أعاد الادعاء بأن هجمات الحرس الثوري الغاشمة تستهدف القواعد الأميركية فقط. متجاهلين بشكل متعمد أن هذه القواعد تقع على أراضي دول سيادية، وأن هذه الهجمات تعتبر انتهاكا صارخا لمواثيق القانون الدولي. 

بل فوق ذلك، لم يكتف الإيرانيون ومنذ الساعات الأولى من هذه الحرب بالقواعد الأميركية، محاولين الاضرار بالقدرات الاقتصادية لدولة الإمارات تحديدا، مستهدفين بعدوانهم الغاشم غير المبرر البنى التحتية واللوجستية في الإمارات، من مطار دبي الدولي إلى مطار زايد الدولي في أبوظبي وكذلك الموانئ والبنايات السكينة والفنادق والأسواق التجارية. 

إن ما تسعى إليه إيران واضح، وهي لم تعمل على اخفائه، هي تريد الانتقام لا من الهجمات ضدها بل من النجاح الإماراتي، كما تريد أن تحول الأهمية اللوجستية الإماراتية إقليميا ودوليا إلى “ورقة ضغط” ضد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

هذه الحرب قد تكون نتيجة “منطقية” لسياسة حافة الهاوية والعسكرة والاستفزاز المستمرين “التي اتبعها النظام الايراني لكن ما يعتبر غير منطقيا هو محاولات هذا النظام المستميتة لنشر الدمار وتصديره إلى دول بقيت إلى آخر اللحظات قبل الحرب تبذل كل الجهود لتفاديها، ولتجنيبها إيران.

قبل أسابيع أخيرة قال النظام الإيراني أنه “جاهز لهذه الحرب، وأنه قد تحضر لجميع السيناريوهات، وأن هذه الحرب لن تكون كسابقاتها” في حين أن الشيء الوحيد المغاير في هذه الحرب هو الهجمات الغاشمة على دول الخليج، والتصعيد الملحوظ ضد دولة الإمارات العربية المتحدة تحديدا باعتبارها رمزا وأيقونة التطور الاقتصادي ومركزا لوجستيا مهما في المنطقة والعالم.

لقد قال النظام الإيراني وأعاد بأنه يعتبر القوة الاقتصادية للإمارات والأمن والاستقرار الذي ينعم به الإماراتيون والمقيمون والسياح “نقطة ضعف” الإمارات التي يستطيع ابتزازها من خلالها، وهو يصر اليوم على جر الإمارات إلى حرب لا دخل لها بها… لكن هل يعلم النظام الإيراني أن النموذج الإماراتي الفريد والقوة الاقتصادية التي يريد تهديدها بنيت على أسس قوية وصلبة، انطلاقا من البيت الداخلي المتوحد ومن القوة العسكرية التي تتمتع بقدرات أقوى الجيوش العالمية. 

إن صبر الإمارات إلى الآن هو درس للإيرانيين عن معاني حسن “الجوار” وعن الحلم والتمسك بمبدأ السلم والأمان الإقليميين والدوليين، وتفعيل لغة العقل والرصانة على الانجراف العسكري. وسيكون استمرار هذه الاعتداءات غير المبررة درسا للإيرانيين كذلك عن أن الإمارات فعلا  لا تبدأ أي حرب وتمد يدها إلى السلام وتسعى إليه دائما، لكنها لا تتوانى في الدفاع عن أرضها وشعبها ومكتسباتها، وأن القوة الاقتصادية محمية بقوة عسكرية وحكمة قيادية وخبرات عسكرية، سيكتشفها الإيرانيون في حال أصروا على ذلك.

زر الذهاب إلى الأعلى