آراء

محمد خليفة : العرب وأوروبا .. رؤية للمستقبل

" الهجرة " أهم عوامل التغيير الديمغرافي في تاريخ البشرية , وهي سبقت نشوء المجتمعات والدول .

ولم يكن صدفة أن يختار الاسلام (الهجرة النبوية) لبدء تاريخه الخاص , قبل أن يصبح تاريخا مواحدا للمسلمين في كل بلادهم . وما زالت " الهجرة " في عصرنا الحاضر أبرز عوامل التغيير الديمغرافي في العالم , وعجزت الدول الحديثة جيوشها وأجهزتها القوية عن الحد من حركة المهاجرين بين الدول والقارات , وما زال مؤشرها البياني يتصاعد . ففي العام 2013 بلغ اجمالي المهاجرين في العالم 232 مليونا , وفي العام 2015 وصل 250 مليونا , و34% منهم انتقلوا من جنوب الكرة الارضية الى شمالها , ويتوقع ارتفاع العدد بنهاية العام الجاري الى أكثر من 260 مليونا ,على رغم التعاون الدولي لمكافحة الهجرة واللجوء بين الدول .

وهي تعادل في عام واحد أكثر من نصف اجمالي سكان القارة الاوروبية ! وللهجرة أسباب متشابهة دائما ابرزها الحروب والفقر والكوارث البيئية .

وأما أهدافها فالبحث عن الأمن والاستقرار وتحسين العيش , ولذلك تتجه حركة الهجرة واللجوء من مناطق الاضطرابات والحروب والفقر والاستبداد السياسي والكوارث البيئية ( الشرق الاوسط , أفريقيا , شرق ووسط آسيا , أمريكا الجنوبية ) الى الدول التي تنعم بالسلام والاستقرار والازدهار المادي ( أمريكا , كندا , أوروبا .. إلخ ) .

وكما نرى فبلداننا العربية والاسلامية خلال القرن العشرين تقدمت الدول المصدرة للهجرة , بمعدلات مطردة الزيادة . فقد أدت ظروف الحرب العالمية الاولى 1914 – 1917 الى اجبار نصف سكان بلاد الشام للهجرة نحو العالم الجديد أمريكا الشمالية والجنوبية , حتى اصبح السوريون عنصرا مهما فيهما , ويناهز عدد أحفادهم الآن عشرين مليونا ! ويتكرر الحدث التراجيدي حاليا , بنزوح ما يناهز سبعة ملايين سوري توزعوا بين تركيا واوروبا والدول العربية .

وفي منتصف القرن الماضي أجبر الغزو الصهيوني لفلسطين غالبية الشعب الفلسطيني على ترك وطنه والتشتت بين دول العالم .

وبدءا من السبعينات والثمانينات شهد العراق وايران هجرة كثيفة بسبب الحرب بين الدولتين , وادت الحرب الاهلية اللبنانية الى نزوح مليون لبناني . وشهدت تركيا في النصف الثاني من القرن الماضي هجرة كثيفة نحو اوروبا , وخاصة من المكون الكوردي حتى ناهزوا عشرة ملايين تركي في اوروبا حاليا , وخمسة ملايين كوردي تركي وايراني وعراقي وسوري .

أما دول شمال افريقيا العربية فصدرت الى اوروبا موجات متلاحقة من المهاجرين الباحثين عن العمل , حتى فاق عددهم حاليا في اوروبا عشرة ملايين . وكذلك كان حال دول افريقيا السوداء من شرقها الى غربها .

وحسب تقديرات مراكز الابحاث السكانية فعدد المسلمين في اوروبا حاليا يناهز أربعين مليونا , يمثلون نسبة ( بين 10% – 15 % ) من اجمالي السكان , وهذا العدد مرشح للارتفاع باستمرار, وبالمقابل يتناقص عدد السكان الاصليين في كل دول اوروبا , الامر الذي جعل الخبراء في دول كانت صافية اللون والعرق نسبيا كالسويد والنرويج وفنلندا تصور مواطنيها في المستقبل القريب ذوي بشرة (متوسطية) . والامر اصبح حقيقة ماثلة في فرنسا وايطاليا وبلجيكا وبريطانيا. وتتوقع نفس المراكز أن يبلغ المسلمون مائة مليون قبل نهاية القرن الحالي .

ومن البديهي أن هؤلاء ليسوا مجرد مادة بشرية خام , بل ابناء ثقافات وحضارات عريقة مكنتهم من الصمود في مواجهة عمليات الصهر , والاحتفاظ بهوياتهم داخل اوروبا المسيحية البيضاء , حتى اصبحوا مكونا مميزا دينيا وثقافيا في كل مدينة ومؤسسة , كما أن اللغات العربية والتركية والكردية والفارسية والاوردية بات لها حضور ملموس في الشارع والمدارس والقطاعات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية .

يمثل ما سبق ملامح ومعالم تحول تاريخي عميق يشهده العالم كله , وخاصة بين الثنائية التاريخية المعروفة ( شرق – غرب ), وهو ليس طارئا أو عارضا فدول شرق أوروبا تكونت سابقا نتيجة هجرات آسيوية , وخاصة الجنس السلوفيني الذي استوطن روسيا والبلقان , وشعوب المجر ورومانيا وصربيا فضلا عن بلغاريا واليونان تأثرت ايضا بالهجرات الآسيوية . وتركيا نفسها تأثرت بعمق باندماج ملايين الاوروبيين فيها ابان الحقبة العثمانية , حتى أصبح الجنس الاوروبي مكونا داخليا بارزا في الهوية التركية الحديثة .

بناء على ما سبق ينبغي القول إن العرب والمسلمين في اوروبا لم يعودوا ضيوفا أو لاجئين مؤقتين بعد أن ضربت جذورهم عميقا في اوروبا الجديدة , وباتوا جزءا من كيانها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي , وأثبتت دراسة أكاديمية بريطانية أن حجم مساهمة المواطنين من اصول مهاجرة في الاقتصاد البريطاني لعام 2014 يزيد على عشرين مليار استرليني , مما يؤهلهم لمستقبل مشرق إذا أحسنوا تنظيم وجودهم بمنظور استراتيجي وعصري . وعليهم ألا يدشنوا ( غيتوات) مغلقة , فالانعزالية بدوافع ومبررات دينية سلوك رجعي ومتخلف يضر مصالجهم , لأن عليهم ( الاندماج الرشيد ) والتفاعل الخلاق مع مجتمعاتهم الجديدة , دون التخلي عن خصائصهم , وثقافتهم , واقتحام آفاق العلم والحداثة , فالاسلام ليس دينا انعزاليا ولا رجعيا , بل دين عالمي منفتح ومتكامل مع المسيحية واليهودية , وهو دين العقل والعلم والانفتاح والتحرر , ويتميز بقابليته للتكيف مع المجتمعات والثقافات والبيئات كافة , كما حدث في عصوره الاولى , بدليل نجاحه في التأقلم مع جميع المجتمعات والثقافات من الهند والصين الى وروسيا والبانيا وانتهاء بأفريقيا السوداء .

وتعتبر تجربته القديمة في اوروبا لمدة ثمانية قرون (الاندلس) إحدى أروع نماذج التفاعل والتسامح بين الاديان الثلاثة , والتعايش بين شعوب اسيوية وافريقية واوروبية في بوتقة واحدة .

وما زالت تلك التجربة الرائدة تثير شهية المفكرين والاكاديميين للتأمل والدراسة بهدف احيائها , حتى أن المفكر السويدي انغمار كارلسون أصدر عام 1994 كتابه ( الاسلام واوروبا : تعاون أم صراع ؟) فند مقولات المفكر الامريكي صمويل هنتنغتون عن حتمية التصادم بين الحضارات , وختمه بفصل عن النموذج الاندلسي وآثاره الحية حتى الان , وتمنى للاتحاد الاوروبي أن يستلهمه وأن يبلغ مستوى ما بلغته بلغته مدن قرطبة وغرناطة وطليطلة الاسلامية من رقي وازدهار حضاري وتسامح ديني وفكري ! .

مسألة التكيف بين اوروبا والجاليات المسلمة فيها تمثل تحديا للجانبين لا لواحد منهما فقط , وعليهما النجاح فيه وإلا فإنهما يضيعان فرصة تاريخية لتأسيس علاقات سلام وتعاون عبر المتوسط تتجاوز تناقضات الماضي وثقافة الكراهية , وتثبت صفحات مشرقة من التعايش لم يفتقدها التاريخ أيضا , وتبشر بمستقبل زاهر للجانبين .

 

 

كاتب سوري مقيم في السويد

 

 

الحقوق محفوظة لصحيفة يورو تايمز ووكالة الصحافة الاوروبية بالعربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى