آراء

نعيم عبد مهلهل : الدمعة بين أور والكرادة

مرة كتبت : كلما بكيت مطرت روحي وفقراء المدن الكبيرة أنعشهم حزنهم .

وأجمل ما قيل في المطر بيت شعر لشاعر داغستان رسول حمزاتوف : ليس هناك موسيقى أجمل من صوت المطر..

يقترن المطر بالدمعة قبل اقترانه بموجةِ النهر ، وهو أقرب للمعطف من البرد ، ففي المطر ندثر تأملنا بمعاطف الذكريات ، والذي يقول ، المطر هو فم الوردة يعرف جيداً إن هذا الغيث مثل رسائل العشق خطوطه لا ميل فيها وأفكاره واضحة ودموعه تحمل المعنى الحقيقي لمشاعرنا التي تهزها زلازل العمر وأعاصيره وهي لاتشبه دموع التماسيح ، إنها لا تمتلك المعنى ولا تريد أن تقول شيئاً بالرغم من أنها تسيل بصفاء يشبه نقطة ضوء على جنح فراشة.

تذكرني دموع التماسيح بالحاكم الظالم عندما يبكي ، بالمخادع ، بجلاد المقصلة ، بالمرأة التي تمتلك عُشاقاً كثر ، بذي الوجهين الذي يشبه ذي القرنين الذي حين وصلت منيته بابل بكى .فقالوا لماذا تبكي وانت تملك العلم كله ..؟

قال : لأنني أشعر بحقيقة ما ينهمر مني . قالوا : وما ينهمر …؟

قال : دمعة الموت.

تذكرني عبارة ( دمعة الموت ) ، بمواقف لا تنسى ، لحظة أيام كنا نرى الشظايا في أجساد أصدقائنا ،ودموع الورد تهطل عليهم بغزارة ومعها الرجاء بأن لا تترك جثثهم على ارض المعركة بل عليها أن تهبط الى الجنوب لتشم هواءه ولتغسل وجوهها بمطر دموع الأمهات الثكالى والجزعات من مشاوير وبيانات الحرب التي لانعرف متى يقطع التلفاز برامجه ليذيعها.

دمعة الموت هي اللحظة التي يستعيد فيها البشر كلما جرى في حياتهم ، لتحمل الكثير من هواجس الأمنيات والندم والتمني ، ليعود ظلال وطيف ما شاخ وكبر ، وكأن الدمعة هي من كتبت هذا البيت الشعري الخالد : إلا ليت الشباب يعود يوماً. فأخبرهُ بما فعل المشيب.

إذن دمعة الموت هي خلاصة للسيرة الذاتية التي تغلفنا بأزمنتها منذ سرير الولادة وحتى سرير النعش ، وفي هذا الزمن أشياء بحجم الآبرة واخرى بثقل الجبل وجميعها تسكن رؤوسنا.

دمعة المطر هي الأخت التوأم لدمعة الموت ..ولو أن دموع المطر هي بشارة خير لسقي ظمأ وردة الحديقة او سنبلة الحقل ، وربما أيضا تكون دمعة الموت بشارة خير لفردوس يتخلص فيه الإنسان من تعب اليوم الأرضي ومشاكله الهائلة ، وحتى في التضاد ،فقد تبعث هذه الدمعة صاحبها المشاكس الى جحيم الندم ، وقطرة المطر قد تتحول الى سيل أو اعصار يغرق كل شيء .

هذا يعني إن دمعة الموت ودمعة المطر سلاح ذو حدين ، لكن دموع التماسيح تبقى تمتلك هاجساً وفعلا واحداً، إنها دمعة لا يطلقها القلب كما عند البشر بل تطلقها العيون. وهنا نأتي للحديث عن دمعة القلب ، هي تصفها امي بأنها الدمعة المصنوعة من خفقان القلب ولوعته ، وأعتقد إن هذه الدمعة هي من صنعت ملاحم العشق وطقس القبلة وأحمر الشفاه…

وعليه خلاصة هذا الكلام ندرك إن دمعة التمساح هي دمعة السفاح ..ودمعة المطر هي دمعة الصباح . وشتان ما بينهما…!

ولا أدري لماذا حين أتطلع إلى العيون المغمضة لبورخيس وأجفانه المحملة بأطنان الكتب ، أتذكر العيون التي ترى بوضوح ولكن بقلب مغمض . العيون الغبية ، القاسية ، الجشعة ، الشبقة ، والتي لا تملك أي ذرة من الوطنية لتبكي ، على جوع طفل أو موت مغدور أو سرقة بيت تراثي أو تحويل رحلة المدرسة الدراسية إلى حطب لشتاء بارد دون تدفئة ونفط أبيض وخواطر دافئة.

أتذكر لغة العيون ، وأقارنها بحرف الكتابة منذ ألواح سومر وحتى كيبورد الحاسوب المحمول ، فأكتشف إن كل اللغات قابلة للاندثار مع اندثار الحضارات وموتها فيما تبقى لغة العيون تمثل الحس الإنساني بكل هواجسه.

تلك هي مسافة الحزن ورومانسية الموت من نشيد السيوف أيام أور والى دمعة الموت في الأنتحاريين والسيارات المفخخة التي تضرب في الكرادة . وكأنها قصة الدمعة الحضارية ومأساتها مع الأنسان القائم مع مصيبته والقصيدة من أور الى الكرادة.

 

كاتب مقيم في ألمانيا / دوسلدورف 

لمراسلة الكاتب

Noor21949@windowslive.com

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى