أخبار

“داعش” يجند شبان أقضية الأنبار الغربية “إلزاميا”.. ويسحب الدجاج المذبوح من الاسواق

اشعر دائما بأن ما يجري في بعض الأقضية الغربية لمحافظة الأنبار لا يُصدّق، ولو حكاه أحدٌ امامي، لما صدّقته ابدا، انها حياة من عالم الخيال، كأننا دخلنا آلة الزمن، وعدنا قروناً طويلة للوراء، لكن! دون ان نتخلّص تماما من الحاضر، ويا للأسى.. عالم الخيال هذا ليس ورديا جميلاً.. إنه: داعشيّ!

بدأ الأمر جميلاً، بل وحالماً أيضا، مداعباً لعواطف ومشاعر الانسان العاديّ البسيط، وقد عرفوا تماماً كيف يكسبون التعاطف معهم، وربما حتى الانضمام اليهم، ففي البداية، حين دخلوا المدن، كان الدين والشريعة والصلاة، هي كلٌ ما يريده من الناس، ما ان تدخل هذه المدن حتى تجد لافتة كبيرة كتب عليها: انها خلافة على منهاج النبوة.. حسناً، من سيعترض على هذا؟ لن تجد احداً يمكنه ان يعترض، بل ان هذا هو الحلم لدى الكثير الكثير من الناس..

دعوة الناس لترك اعمالهم والدخول لأداء الصلوات، محاضرة صغيرة بعد الانتهاء منها، التجوّل طوال الوقت في ارجاء المدينة ومحاولة كسب رضا الناس، وانهم لم يجيئوا إلا من أجلنا، ليخلّصوا سكان هذه المدن من ظلم الجيش والشرطة والحكومة (الرافضية)، هذا ما كانوا يحرصون عليه في بداية سيطرتهم على المدينة، ان يقف معهم سكان المدن، ان لا يوجد صوت يرفض وجودهم، وقد حصلوا عليه بسهولة، الانسان البسيط يريد رزقه، وان يشعر بالأمن، لقد وفّرته داعش، مع لمسة حالمة، فما الذي يريده اكثر من ذلك!

حين بدأت داعش بعد اسابيع، بالنداء من خلال المساجد، على الذين كانوا في الشرطة او الجيش، او الوظائف الحكومية المشبوهة، او المنتمين للأحزاب، ان يأتوا ويعلنوا توبتهم مما كانوا عليه، ويتبرأوا من اعمالهم والحكومة، لم يسخط احد من الناس، استسلموا لهذا، وذهب الجميع واعلن توبته، انهم يريدون الامن، وان كان كلٌ ما تريده داعش هو "توبة" فـ لتكن.. ومن اصّر على عدم الذهاب، كان مصيره الاعتقال، مع مصير ظلّ مجهولاً حتى الان..

لكن هذا الحلم، لم يستمر طويلاً، بدأ كلٌ شيء بالنفاد من الاسواق، نقصٌ حادٌ في الغاز والنفط والبنزين، الاعمال والوظائف توقفت، مواد البناء ارتفعت اسعارها، صارت داعش تعتقل من كان في الشرطة، ممن لم يخرجوا من المدينة، وحتى من كان في الجيش، ومن انتمى لحزب في حياته، وتفجّر بيوتهم، أحكمت سيطرتها على جميع بنايات الدوائر الحكومية، واحتّلتها، أعلامها السوداء ترفرف فوقها، سرقت ما في المصارف من اجهزة،

قاموا بسرقة بيوتٍ كثيرة، من ترك بيته خائفاً، بيوت القضاة ومن كان في الشرطة او مجلس محليّ او اي وظيفة، كل بيوتهم صارت (وقفاً للدولة الاسلامية)، ان تظّل هنا، سيكون مصيرك الاعتقال والتحقيق والتعذيب الطويل، واما ان تعاد لأهلك او يظل مصيرك مجهولا، وان غادرت حفاظاً على روحك، لن يعود شيءٌ مما كنت تملك: لك!..

كل هذا، كان يحدث في صمت، والحياة مستمرة دون ان يعبأ الكثير بما يجري، الانسان هنا تهمّه حاله، لم يعد يكترث ان كان جاره قد قتل او اختطف، ما دمتُ بخير، فما الذي اريده أكثر؟!

بعد ان احكمت سيطرتها على الناس وعواطفهم، وتأكدت انها لن تجد بعد الان من يقول لها: لا، أو يعترض على شيءٍ تفعله، بدأت داعش تكشف عن وجهها الذي لم تستطع اخفاءه طويلاً، وصارت تنتهج منهج العقاب، العقاب للجميع، لكل من يخالف قوانينها الغريبة!

حدث هذا بعد ان خسرت في معارك عديدة، اذ صارت تتعامل مع الناس بطريقة انتقامية، وكأنهم سبب خسارتها ومقتل جنودها، حرّمت السجائر، ومنعت بيعها تماماً، من يحمل سيجارة، عليه ان يتحمّل الجلد، ومن يبيع عليه ان يتحمل الجلد، او حتى الذبح، حدث هذا ايضا، ثم فرضت النقاب على النساء، اذ انهم سبب تأخر النصر (حسب كلام خطيب الجمعة المصريّ)، وربما كلمة (نساء) غير وافية هنا، فالنقاب فرض حتى على الاطفال، تلميذات المدارس الصغيرات، فرغت الشوارع من اللعب والضحك، الفتيات كلهن في البيوت، يخفن الخروج، فان خرجن لن يلاقين سوى العقاب! ورغم ان الفتيات ارتدين النقاب بمرح، وكأنهن يؤدين دوراً في مسلسل، أو لعبة من العابهن، الا انه لا يخفى ما سيكون من تبعات هذا القرار على المجتمع في المستقبل، المجتمع المُتعب بتقاليده أصلا..

العقاب للجميع، داعش لا تتوانى عن معقابة احد، حتى لو كان ممن ينتمي اليها. يحكي احد الذين كانوا يقاتلون في صفوفها، وهو عراقيّ، انهم قد ظلموا كثيراً، فحين تكون هناك معركة يجعلوهم في الصفوف الامامية، يقاتلون طيلة ايام، وحين يأتي وقت الاموال، وما حصلوا عليه من سرقات (غنائم)، لا يعطوهم شيئاً، وحين غضب واعلن اعتراضه قاموا باعتقاله ورميه في الحبس لأسابيع، مما جعله يهرب فيما بعد ويترك العراق.

يتجوّلون في كل مكان بملابسهم السوداء واسلحتهم، ينتظرون من الناس كلمة، خطأ ما، ليعاقبوهم، لديهم هذه السهولة وربما المتعة في القاء التهم على الناس ومعاقبتهم تطبيقاً لـ (الشريعة)، صار الحديث عن (جلد) فلان بسبب كلمة، حديثاً مكرراً مملاً، ولذا، بدأ فيلمٌ آخر: الذبح!

صاروا يجلبون بعضا ممن قد اعتقلوهم، يأتون بهم غالباً من مدنٍ اخرى، حتّى لا يستفزّوا مشاعر عشائرهم في مناطقهم، معصوبي الاعين، لا يعرف احد من هم، ثم وفي اماكن عامة، يوقفون السيارات والناس، ويحاكموهم في الشارع، يأتي في نهاية المشهد، (ذبّاح) يحمل سكينه، يذبحهم بهدوء وبساطة مع: الله أكبر..

وحين ينتهي هذا المشهد، يتركون الجثث في الشوارع والرؤوس فوقها، ويغادرون.

من سيجرؤ على الكلام بعد كل هذا؟

انهم يستوطنون المدن، يسكنونها وعوائلهم، ليسوا جنوداً مقاتلين زهدوا في الحياة، لا، بل انهم قدموا هم وعوائلهم واطفالهم، يخرجون الناس من بيوتهم ويسكنونها، ببساطة ودون ان يسمحوا لك بالاعتراض، ممنوع عليك ان تعترض، الاعتراض يعني الموت.

الكثير من سكان المدن معهم، فئة كبيرة جداً من الناس انضمت اليهم، بعضهم طمعا في اموال التنظيم الكثيرة وسياراتهم الفاخرة، والاخر انتقاما مما حصل له سابقا من ظلم، والكثير انتموا ايماناً بالتنظيم وفكرة الخلافة، قد تجد جارك زوّج تونسياً ابنته، او قريبك زوّج اخته لسعوديّ، لم تعد هذه الامور غريبة، انهم يستوطنون، وهذا هو ما يخيف الانسان الذي تحمّل طوال هذا الوقت على امل ان يغادروا..

ما يجري اليوم، يشعرك وكأن داعش تقول لسكان المدن: ارحلوا، لم تعد هذي الارض لكم، الخوف غير المحتمل، السكوت على كل شيء ورغم كل شيء، العقاب، الذبح، إلغاء بعض المناهج الدراسية، منع تواجد (مدرسّين) في مدارس البنات، وكذلك (مدرسات) في مدارس الاولاد، منعاً (للاختلاط)، هذا ان احتسبت هذه السنة الدراسية اصلا، اذ اننا نعيش في مكان خارج الزمان، من فيه يقول لك انه الشرعيّ الوحيد، وكل العالم يخبرك انه المكان الوحيد غير الشرعيّ والمجنون، الحياة المتوقفة والميتة، القوانين الغريبة، العودة للوراء والهمجية، قاموا قبل ايام مثلاً بسحب كل الدجاج من الاسواق، بحجة انه مذبوح بطريقة غير اسلامية، يتحكمون بمن يستلم الغاز والنفط، قد لا تروق لهم فلا يعطوك شيئاً، ان كل شيء من حقهم هم اولا: نفسك وبيتك ومدينتك ، وان لم تحصل على شيءٍ: اعترض، وسترى!

وان رضيت بكل هذا، سيخيفك القصف، خصوصاً وان من ينتمي لداعش اليوم، صار جارك، وقريبك، ربما في البيت المقابل، او الشارع المجاور..

وربما، آخر ما حدث، وهو الذي سيخلي المدن من سكانها كلّهم، القانون الجديد: التجنيد الالزامي للشباب، اي عائلة فيها أكثر من رجلين، على احدهما ان ينضم للقتال في صفوف التنظيم، شاء ام ابى.. فأي عائلة سترضى بهذا؟ ومن سيبقى!

 

المصدر // وكالة  "واي نيوز"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى