أخبار

إسرائيل تلجأ للتقنية المتقدمة للتجسّس على أنفاق حماس

لا أولوية لأجهزة المخابرات في زمن الحرب أهم من تحديد موقع العدو. وأول عمل يضطلع به ضباط المخابرات الذين يساعدون الجيش الإسرائيلي على التخطيط لغزوه البري هو رسم خريطة لشبكة الأنفاق الكبيرة لقادة حماس العسكريين ومخازن أسلحتهم.

حماس شرعت في حفر الأنفاق تحت حدود غزة مع مصر سنة 2006
وأكدت الرهينة الإسرائيلية يوشيفيد ليفشيتز البالغة من العمر 85 عاماً وأُطلق سراحها الأسبوع الجاري، أن نظام الأنفاق كبير وشاق، ويمثل حصناً متقناً تحت الأرض يكفل لمقاتلي حماس مزايا دفاعية وهجومية هائلة.
قالت ليفشيتز إنهم نُقِلوا إلى مدخل الأنفاق التي هي أشبه بشبكات العنكبوت، وشرعوا يمشون فيها، وكل شيء من حولهم رطب، ووصلوا أخيراً إلى قاعة فيها 25 شخصاً كانوا يحرسونهم عن كثب. وقُسِّم الأسرى إلى مجموعات صغيرة، واحتُجزوا في أنفاق مختلفة سيتعين على الإسرائيليين تحديد مواقعها بدقة قبل تدمير معاقل حماس تحت الأرض.

أجهزة استشعار فائقة الدقة

وفي هذا الإطار، نقل موقع ” سباي توك” الأمريكي، المعني بالتحليلات الاستخباراتية في تقرير له، عن مصدر مطلع على التقنية الحديثة إن إسرائيل لديها أجهزة استشعار فائقة الدقة الطيفية بوسعها تأكيد وجود أشخاص وأسلحة ومتفجرات في أعماق الأرض.


ووفق التقرير، تستخدم المستشعرات الطيفية جزءاً كبيراً من الطيف الكهرومغناطيسيّ لتحليل الأشياء المدفونة تحت الأرض أو الماء. وهي تستند إلى مبدأ أن جميع المواد تترك بصمات فريدة على الطيف الكهرومغناطيسي. وتمسح هذه المستشعرات التي طوررتها ناسا أولَ مرة في سبعينيات القرن العشرين بمسح هذه البصمات المعروفة بالتوقيعات الطيفية.
وتستطيع هذه المستشعرات أيضاً قراءة كثافات التربة الجوفية وبصمات المواد الدفينة الأخرى، كحديد التسليح الخرساني والمعدني، مما يسمح للإسرائيليين بتحديد الموقع الدقيق للأنفاق تحت الأرض. ويمكنها أيضاً رصد البصمات الكيميائية لثاني أكسيد الكربون تحت الأرض، وهو علامة أكيدة على وجود مقاتلي حماس والرهائن على حدٍ سواء.
وقال المصدر المطلع إن الطائرات الإسرائيلية المُسيرة يمكن أن تبقى فوق غزة لجمع البيانات عمّا يكمن تحت السطح، ثم ينزِّل الجيش هذه البيانات إلى جهاز استقبال قريب داخل إسرائيل أو على متن سفينة بحرية إسرائيلية. غير أنه حذَّرَ من أن أجهزة الاستشعار فوق الطيفية هذه لها حدودها، إذ لا تستطيع اختراق أي أجزاء من الأنفاق التي عززتها حماس بحديد التسليح الخرساني أو المعدني، ولا تستطيع التمييز بين مقاتلي حماس والرهائن.

حماس والأنفاق

ولفت التقرير إلى أن حماس شرعت في حفر الأنفاق تحت حدود غزة مع مصر سنة 2006 لتهريب الغذاء والوقود في تحدٍ للحصار الإسرائيلي المصري المشترك. وعلى مدار سنوات، وسَعَّت الأنفاق إلى شبكة أشبه بالمتاهة المتعرجة لمئات الأميال الحلقيَّة تحت القطاع الساحلي تربط غزة بالبلدات الأخرى ومخيمات اللاجئين في القطاع.


وبحسب دافني ريتشموند باراك الخبيرة الإسرائيلية في الحروب تحت الأرض، أمست شبكة أنفاق غزة عنصراً أساسيّاً في الإستراتيجية العسكرية لحماس، مما سمح للحركة بنقل صواريخها بسرعة بين مواقع إطلاق النار المختلفة، وإحباط الضربات الاستطلاعية والانتقامية الإسرائيلية.
وخلال حرب إسرائيل عام 2014 ضد حماس، اكتشفت القوات الإسرائيلية مدى تعقيد مجمع أنفاق حماس. وقالت ريتشموند باراك إن الجنود الذين دخلوا غزة خلال الصراع وجدوا عدة مستويات من الأنفاق مجهزة بمصابيح كهربائية وتهوية وأنابيب مياه وقناطر مُسلحة بالخرسانة والمعادن.

مترو غزة

وأشار المسؤولون الإسرائيليون إلى المجمع باسم “مترو غزة”، وأعلنوا عام 2021 عن أن غاراتهم الجوية دمرت نحو 60 ميلاً من الأنفاق. غير أن حماس سرعان ما حفرت أنفاقاً جديدة تحل محل تلك التي دمرتها إسرائيل.
وتتصدر القوات الإسرائيلية المتخصصة في التعامل مع الأنفاق وحدة كوماندوز ياهالوم التابعة لسلاح الهندسة القتالية التي يتخصص جنودها في العثور على الأنفاق وتطهيرها وتدميرها.


قال ريتشموند: “الأنفاق لا تُعقِّد الأمور وحسب، وإنما تساعدهم على تغيير القتال. وهم يغيرون الطريقة التي يجب أن تفكر بها في الغزو على المستوى التشغيلي، ويغيرون أنواع الجنود الذين يمكنك إرسالهم”.
بمجرد تحديد مواقع الأنفاق، تُستدعى وحدة سامور التابعة لفرقة ياهالوم للدخول إلى الممر تحت الأرض، وتطهيره ورسم خريطته ثم تدميره. وتشمل معدات وحدة سامور المتخصصة أجهزة الراديو والمعدات الملاحية ونظارات الرؤية الليلة الحرارية، فضلاً عن روبوتات طائرة وأرضية يمكنها رسم خرائط للأنفاق دون تعريض الجنود للخطر.


فضلاً عن ذلك، تتدرب وحدات القوات الخاصة الإسرائيلية، بما في ذلك “ساييرت ماتكال” و”يمام” في الجيش، وهما القوتان المكافئتان لقوة دلتا التابعة للجيش الأمريكي وقوات “سيلز” التابعة للبحرية الأمريكية، مع جنود ياهالوم لتعلم أفضل الممارسات للتعامل مع التهديدات السرية.
ولكن، مثلما كان لدى الجيش الإسرائيلي تسع سنوات لتطوير مهاراته في حرب الأنفاق، كذلك طورت حماس نفسها.

كابوس تحت الأرض

قال الضابط الأمريكي المُخضرم جون سبنسر في مقال بعنوان “كابوس تحت الأرض: أنفاق حماس والمشكلة المريرة التي تواجه الجيش الإسرائيلي”: “الحقيقة المريرة هي أن حجم الأنفاق وحجمها سيتجاوزان قدرات إسرائيل المتخصصة”.
وفي حين أن القصف الإسرائيلي المتواصل لغزة على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية قد أودى بحياة آلاف الفلسطينيين حتى الآن، وحوَّلَ مساحات شاسعة من القطاع المُكتظ بالسكان إلى أنقاض، وأمسى بسببه نحو 700 ألف فلسطينيّ نازح داخليّاً، فمن غير الواضح مدى الضرر الذي ألحقته القنابل بمقاتلي حماس أو أنفاقهم.
وتوقع سبنسر أن تكون حماس قد أخفت فعلاً عدداً لا حصر له من العبوات الناسفة في الأنفاق لإحباط أي محاولة إسرائيلية لإنقاذ الرهائن.

ثلاث مشكلات متعددة المستويات

وقالت ريتشموند: “إنه فخ واضح. فغالبية العقائد العسكرية تنصح بعدم إرسال جنود إلى الأنفاق. يجب أن يكون هذا هو الملاذ الأخير”.
ورغم أن إسرائيل أقرت بأن مهاراتها في حرب الأنفاق تطورت إلى حدٍ كبير منذ عام 2014، فقد توقعت ريتشموند بأن تُكبد قوات الغزو الإسرائيلية خسائر فادحة في أي مواجهة أخيرة، سواء فوق الأرض أو تحتها.
وأضافت ريتشموند: “عندما يتعلق الأمر بتلك المواجهات، ستجد أن لديك ثلاث مشكلات متعددة المستويات، ألا وهي القتال في المناطق الحضرية والتحديات تحت الأرضية والآن الرهائن المحتجزون في الأنفاق”. وعند الجمع بين مستويات المشكلات هذه معاً، سينتهي بك الأمر إلى معادلة أنه بعض النظر عن مدى استعدادك لهذه المواجهة، فجاهزيتك ليست حلاً. وفي كل الأحوال، من المرجح أن يسقط عدد كبير من الضحايا بين صفوفك”.

زر الذهاب إلى الأعلى